رئيس التحرير : حسام حسين لبش

أصيلة تحتفي بطوني ماريني.. عقود من مرافقة تحولات الفن المغربي

المشاركة

فيسبوك
X
لينكد إن

أصيلة – حسام لبش

احتفى موسم أصيلة الثقافي الدولي، في دورته السابعة والأربعين، بالناقدة والباحثة الفنية طوني ماريني، مستعيداً مسيرة امتدت لعقود ارتبطت خلالها بأبرز التحولات التي عرفها الفن التشكيلي المغربي، من مدرسة الدار البيضاء إلى التجارب الفنية الحديثة والمعاصرة، وصولاً إلى حضورها المبكر في تجربة أصيلة الثقافية.

أصيلة تحتفي بطوني ماريني.. عقود من مرافقة تحولات الفن المغربي

وجاء الاحتفاء ضمن ندوة «طوني ماريني والمشهد التشكيلي المغربي»، التي احتضنها مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية في أصيلة، في إطار الدورة الخريفية للموسم المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتحت شعار «أصيلة.. أرض اللقاء والحوار».

وجمعت الندوة أسماء من حقول الفكر والنقد والأدب والفن والبحث الأكاديمي، في محاولة لإعادة قراءة تجربة ماريني وما تركته من أثر في توثيق الفن المغربي ومواكبة فنانيه، ليس من موقع المراقب الخارجي، وإنما من داخل حركة ثقافية وفنية كانت شريكة في عدد من محطاتها.

أكثر من سيرة ناقدة فنية

وأظهرت المداخلات أن الحديث عن طوني ماريني يتجاوز سيرة ناقدة كتبت عن اللوحة والفنان، إلى تجربة ارتبطت بتكوين أجيال من المبدعين وبناء خطاب نقدي ساعد على قراءة الفن المغربي في سياقه الثقافي والتاريخي.

وفي هذا السياق، أكد الناقد الفني محمد رشدي أن تاريخ الفنون لا يصنعه الفنانون وحدهم، بل يشارك في كتابته أيضاً النقاد والباحثون والمدرسون وكل من يقومون بأدوار الوساطة والتوثيق والتفكير في العمل الفني.

واعتبر أن تجربة ماريني مع مدرسة الدار البيضاء شكلت إحدى المحطات المهمة في هذا المسار، إذ شاركت في تدريس فنانين أصبحوا لاحقاً جزءاً من الحركة التشكيلية المغربية، بالتوازي مع إنتاج كتابات نقدية تحولت بمرور الزمن إلى مادة توثيقية لفهم ما كان يشغل الساحة الفنية خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات.

أصيلة تحتفي بطوني ماريني.. عقود من مرافقة تحولات الفن المغربي

وبحسب رشدي، فإن قيمة النقد في تجربة ماريني تكمن في أنه لم يكن مجرد إصدار أحكام جمالية، بل ممارسة تجمع البحث والتأريخ والوساطة وحفظ الذاكرة.

امرأة اختارت أن تكون جزءاً من المكان

ووضع شرف الدين ماجدولين، منسق الندوة والأستاذ بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، تجربة ماريني ضمن سياق أوسع من العلاقة بين الفرد والثقافة التي اختار الانتماء إليها.

فماريني، الإيطالية المولودة في اليابان، انتقلت إلى فضاء ثقافي وجغرافي مختلف، قبل أن تصبح على امتداد عقود جزءاً من الحياة الثقافية في المغرب ومن النقاشات التي صاحبت تشكل الحداثة الفنية فيه.

ورأى ماجدولين أن أهميتها لا تكمن فقط في كونها ناقدة للفن، وإنما في انخراطها داخل حركة ثقافية جمعت التشكيلي بالشاعر والكاتب والسينمائي والناقد، في مرحلة كانت خلالها الحداثة المغربية في طور بناء أدواتها وأسئلتها.

وتوقف عند تجربتها في مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، ومساهمتها في تطوير النقاش حول الفن إلى جانب شخصيات فكرية وثقافية بارزة، من بينها عبد الكبير الخطيبي.

حاتم البطيوي يستعيد ذاكرة البدايات

واكتسبت شهادة حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، بعداً شخصياً، إذ استعاد مرحلة كانت فيها ماريني تشرف على ورشات الفنون التشكيلية لأطفال أصيلة، وكان هو نفسه واحداً ممن مروا بهذه الورشات.

وقال البطيوي إن ماريني كانت من شهود تأسيس التجربة الثقافية في أصيلة، وواكبت في الوقت نفسه البدايات والتحولات الكبرى التي شهدها المشهد الفني المغربي.

وقدمها بوصفها نموذجاً لـ«النقد الكاشف»، الذي لا يكتفي بتفكيك الشكل والأسلوب، وإنما يبحث عما يحمله العمل الفني من مضامين إنسانية وثقافية.

وأكد أن ماريني لعبت دوراً في مساندة الفنانين الجدد والتعريف بتجارب وأسماء فنية، وكانت تمتلك قدرة خاصة على الإصغاء إلى الفنان والعمل والسياق المحيط به.

كما أشار إلى أنها تعاملت مع الفن المغربي باعتباره عالماً إبداعياً قائماً بذاته، وليس فناً ينبغي قياسه دائماً على تجارب أخرى، وهو ما جعل مسيرتها الممتدة في المغرب وأصيلة تعكس نموذجاً للحوار الثقافي بين الشمال والجنوب.

«المغرب مدين لطوني ماريني»

الشاعر والروائي ووزير الثقافة المغربي الأسبق محمد الأشعري اختصر جانباً من مكانة المحتفى بها بقوله إن «المغرب مدين لطوني ماريني».

وانطلق الأشعري من كتابها «كتابات في الفن»، معتبراً أن المقالات التي يضمها لا تشكل أرشيفاً فنياً فقط، وإنما ترسم ملامح مرحلة ثقافية كاملة عاشها المغرب خلال الستينيات والسبعينيات.

فالكتابات، بحسب الأشعري، تحمل آثار الأسئلة والشكوك والتحولات التي عاشها المجتمع والثقافة في مرحلة ما بعد الاستعمار، وتكشف في الوقت نفسه الطريقة التي تعاملت بها ماريني مع المغرب بوصفه فضاءً للتعلم والمشاركة، وليس موضوعاً للمراقبة من الخارج.

واستعاد الأشعري حضورها إلى جانب فريد بلكاهية في مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، وعلاقتها بتجربة مجلة «أنفاس» وعبد اللطيف اللعبي، ثم مجلة «إنتيغرال»، باعتبارها محطات ضمن عملية بناء ثقافي جماعية لم تسع ماريني من خلالها إلى تقديم أجوبة نهائية بقدر ما سعت إلى فتح أبواب جديدة للأسئلة.

إعادة الاعتبار للتاريخ البصري المغربي

ومن زاوية فكرية، تناول الفيلسوف وأستاذ الجماليات محمد نور الدين أفاية مسار ماريني من خلال كتاب «كتابات في الفن»، معتبراً أنه يكشف انتقالها من الاكتشاف الأول للمغرب إلى المشاركة في حياته الفنية، ثم إلى البحث وإنتاج المعرفة.

وتوقف أفاية عند مواجهتها للقراءات الاستشراقية التي كانت مهيمنة على جانب من تناول الفن المغربي خلال ستينيات القرن الماضي، حين كانت بعض المقاربات الأوروبية تختزل الإبداع المحلي في أوصاف مثل «الساذج» أو «العفوي».

وفي المقابل، اتجهت ماريني إلى البحث في التاريخ البصري المغربي قبل الفترة الاستعمارية، وسعت إلى تفكيك الاعتقاد بأن التصوير والتعبير التشكيلي لم يعرفا طريقهما إلى المغرب إلا مع الحضور الأوروبي.

وقدمت من خلال أبحاثها مفهوماً أوسع للتراث البصري، يشمل الرسم والصباغة والخط والنقش والنسيج وغيرها من أشكال التعبير التي أنتجها الفنانون والحرفيون، والتي تحمل في داخلها طبقات من التاريخ الاجتماعي والثقافي للمجتمع.

ولهذا، رأى أفاية أن كتابات ماريني تجاوزت قيمتها الآنية وتحولت بمرور الزمن إلى وثيقة تاريخية ومرجع نقدي يساعد على قراءة تطور الفنون البصرية المغربية.

حكاية بدأت من طنجة

واستعادت كلوديا إسبوزيطو، أستاذة الأدب الفرنسي بجامعة ماساتشوستس، البدايات الأولى لعلاقة ماريني بالمغرب، عندما كانت شابة في الثانية والعشرين من عمرها.

وتحدثت عن لقاء جمعها في مقهى بمدينة طنجة بثلاثة فنانين تشكيليين سيصبحون لاحقاً أسماء معروفة خارج المغرب، لتبدأ من تلك اللحظة علاقة طويلة مع الفن والثقافة المغربيين.

وأكدت إسبوزيطو أن اهتمام ماريني لم يظل محصوراً في الكتابة، بل امتد إلى التعليم والمبادرات الفنية والعمل الميداني، انطلاقاً من إيمانها بأن الفن يمكن أن يؤدي دوراً في تغيير المجتمع.

ومن هنا جاء حرصها على إخراج الفن من المؤسسات المغلقة وتقريبه من الناس، وهي رؤية وجدت مساحة واسعة للتطبيق في ورشات ومبادرات فنية مختلفة.

كما رأت إفريقيا والمتوسط باعتبارهما مركزين للإبداع وإنتاج المعرفة، وليس مجرد هوامش بالنسبة إلى أوروبا، وهو ما انعكس على مقاربتها للفن وعلى موقفها النقدي من الإرث الاستعماري.

البحث عن الفن في الهوامش

الباحث عبد الرحيم كمال وصف ماريني بـ«المفكرة الكبيرة»، مشيراً إلى عمله على إعداد معجمها الفني، ومبرزاً اهتمامها بالرموز واللغات والذاكرة والعلامات المختبئة داخل الأعمال الفنية.

واعتبر أن عملها يشبه عملية تنقيب مستمرة في طبقات العمل الفني، بحثاً عن ذاكرة الفنان وجذوره والبيئة الثقافية التي تتحرك داخله أثناء عملية الإبداع.

أما الطبيب النفسي عبد الله زيوزيو، فاستعاد معرفته بماريني منذ عام 1976، متحدثاً عن مبادرات نقلت الفن إلى فضاءات غير تقليدية، بينها عرض أعمال تشكيلية داخل مصحة للأمراض النفسية في برشيد، في تجربة هدفت إلى المساهمة في أنسنة الفضاء العلاجي.

وأكد أن ماريني لم تحصر اهتمامها في الأسماء الموجودة داخل المراكز الفنية الكبرى في الدار البيضاء والرباط، بل بحثت أيضاً عن الفنانين والتجارب الموجودة في الهوامش.

أصيلة وذاكرة الفن

ويكتسب تكريم طوني ماريني في موسم أصيلة بعداً خاصاً بالنظر إلى ارتباط اسمها بالمراحل المبكرة للتجربة الثقافية للمدينة، التي تحولت على مدى عقود إلى ملتقى دولي يجمع الفنانين والمفكرين والأدباء والباحثين من العالم العربي وإفريقيا وأوروبا ومناطق أخرى من العالم.

ويعيد هذا الاحتفاء إلى الواجهة سؤال الذاكرة الفنية ومن يصنعها ويحفظها؛ فالفنان ينتج العمل، لكن حوله تتحرك شبكة واسعة من النقاد والباحثين والمدرسين والمؤسسات الثقافية التي تحفظ التجربة وتفسرها وتنقلها إلى الأجيال التالية.

ومن هذا المنظور، لم تقدم جلسات أصيلة طوني ماريني بوصفها مراقبة لمسيرة الفن المغربي، وإنما باعتبارها واحدة ممن عاشوا تحولات هذا الفن من الداخل، وشاركوا في صياغة أسئلته وتوثيق ذاكرته والدفاع عن استقلاليته.

وبعد عقود من حضورها في المشهد الثقافي، جاء تكريمها في أصيلة بمثابة عودة إلى مكان كانت جزءاً من ذاكرته، واستعادة لمسيرة ارتبطت بتاريخ الفن المغربي الحديث وبأجيال من الفنانين والباحثين، ورسخت فكرة ظلّت حاضرة في تجربتها: أن الفن المغربي قادر على تقديم نفسه إلى العالم بلغته وذاكرته وخصوصيته، لا بوصفه هامشاً لتجربة أخرى، وإنما تجربة إبداعية قائمة بذاتها.

المشاركة

فيسبوك
X
لينكد إن
ثريدز
واتساب
تليجرام

الكلمات المفتاحية

خبر عاجل

image-1218
عاجل : وزارة الدفاع السعودية: الحوثيون يمعنون في استهداف المدنيين بشكل متعمّد وممنهج

غلاف المجلة

Hadeel

رئيس التحرير

كاريكاتير

WhatsApp Image 2026-06-30 at 19.54

آراء

IMG-20260712-WA0025
هل السلام العربي الإسرائيلي حلم أم واقع؟

أخبار ذات صلة

غلاف المجلة

Hadeel

رئيس التحرير

آراء

IMG-20260712-WA0025
هل السلام العربي الإسرائيلي حلم أم واقع؟

كاريكاتير

WhatsApp Image 2026-06-30 at 19.54

خبر عاجل

image-1218
عاجل : وزارة الدفاع السعودية: الحوثيون يمعنون في استهداف المدنيين بشكل متعمّد وممنهج
زر الذهاب إلى الأعلى
دعم الصحافة المستقلة
نعتمد على الإعلانات لتقديم محتوى مجاني وعالي الجودة ومواكبة الأخبار لحظة بلحظة.

يرجى تعطيل مانع الإعلانات للاستمتاع بتجربة تصفح كاملة ودعم استمرار الإمارات نيوز.
⚡ تجربة أسرع
📰 محتوى مجاني
❤️ دعم الصحافة
شكراً لدعمك للإمارات نيوز ❤️
الأخبار المجانية تبدأ بدعمك.