محمد الجابري
قبل أي رقم، وقبل أي تحليل سياسي أو اقتصادي، هناك حقيقة قانونية لا يجوز القفز فوقها: مضيق هرمز ليس ملكاً لإيران.
يقع المضيق بين إيران وسلطنة عُمان، ولكلٍ منهما مياهه الإقليمية وفق القانون الدولي، أما الممر الملاحي نفسه فهو مضيق دولي تكفل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار حق المرور العابر فيه لجميع السفن، دون إذن مسبق، ودون أن تفرض أي دولة رسوماً على العبور. ولهذا قال أستاذ القانون البحري الدولي في كلية الحرب البحرية الأمريكية، جيمس كراسكا، بوضوح: “لا يوجد أساس قانوني يسمح لأي دولة ساحلية بتحصيل رسوم في مضيق دولي مثل هرمز.”
هذه ليست مسألة قانونية فحسب، بل مسألة تتعلق بالنظام الدولي كله. فعندما تُغلق قوة عسكرية ممراً دولياً ثم تفرض رسوماً لإعادة فتحه، فإنها لا تمارس سيادتها، بل تحوّل حقاً عاماً إلى سلعة، والملاحة الدولية إلى رهينة، والبحر إلى صندوق جباية.
منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، استخدمت إيران مضيق هرمز كورقة تهديد. ففي عام 2011 لوّحت بإيقاف صادرات النفط، ثم عاد الحرس الثوري عام 2018 ليهدد بأن “لا نفط سيمر إذا مُنع النفط الإيراني”. كانت تلك التصريحات تُقرأ دائماً باعتبارها جزءاً من لعبة التفاوض، وتنتهي مع أول نافذة للحوار.
لكن ما حدث في مارس 2026 كان مختلفاً. للمرة الأولى، خرج التهديد من دائرة الخطاب إلى دائرة التنفيذ. أُغلق المضيق، وقفزت أسعار النفط بصورة غير مسبوقة، ووصفت وكالة الطاقة الدولية ما جرى بأنه أكبر اضطراب لإمدادات النفط عرفته السوق العالمية. لم تعد الأزمة احتمالاً نظرياً، بل أصبحت واقعاً يدفع العالم ثمنه.
غير أن أخطر ما كشفته الأزمة لم يكن الإغلاق نفسه، بل الطريقة التي فُتح بها.
ففي الوقت الذي بقيت فيه مئات السفن تنتظر خارج المضيق، عبرت ناقلات أخرى بعد تفاهمات خاصة، وظهرت سفن ترفع العلم الباكستاني، فيما كشفت تقارير متخصصة عن دفع رسوم عبور عبر وسطاء ماليين. هنا سقطت الرواية السياسية كلها دفعة واحدة.
لو كان الهدف أمنياً، لما استُثني أحد.
ولو كان الهدف سيادياً، لما أصبح المرور مرتبطاً بالدفع.
لكن عندما يصبح العبور ممكناً لمن يسدد الرسوم فقط، فإن القضية لم تعد قضية سيادة، بل قضية جباية.
لقد اختصر أحد النواب الإيرانيين المشهد عندما قال إن “الحرب لها تكاليف، ومن الطبيعي أن نأخذ رسوم عبور”. وربما لم يدرك أن هذه العبارة وحدها تنسف كل الخطاب الرسمي الذي حاول تصوير ما يحدث باعتباره دفاعاً عن الحقوق الوطنية. فالدول لا تفرض إتاوات على الممرات الدولية، ولا تحوّل القانون إلى فاتورة تُدفع عند نقطة التفتيش.
الأزمة كشفت أيضاً حقيقة أخرى كثيراً ما تُهمَل في التحليلات. فالخاسر الأكبر لم يكن طرفاً واحداً، بل المنطقة بأسرها. تعطلت التجارة، وارتفعت كلفة الشحن، وتأثرت الموانئ وسلاسل الإمداد، بينما دفعت دول الخليج ثمناً اقتصادياً لأزمة لم تكن صاحبة قرار فيها.
وفي المقابل، قدّمت الإمارات نموذجاً مختلفاً في التفكير. فمنذ عام 2012 أنجزت خط أنابيب حبشان–الفجيرة، الذي ينقل النفط مباشرة إلى خليج عُمان متجاوزاً مضيق هرمز. لم يُبن هذا المشروع تحت ضغط الأزمة الحالية، بل قبلها بسنوات طويلة، لأن الدول التي تخطط للمستقبل لا تنتظر الكارثة حتى تبدأ بالبحث عن الحلول.
وهنا يظهر الفرق بين نهجين: نهج يستثمر في البنية التحتية والاستقرار، ونهج يستثمر في الأزمات وأوراق الضغط.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للنظام الدولي ليس إغلاق مضيق بعينه، بل ترسيخ فكرة أن الممرات البحرية يمكن أن تتحول إلى أدوات ابتزاز دائمة، وأن حرية الملاحة أصبحت امتيازاً يُشترى، لا حقاً يكفله القانون.
هرمز لم يكن يوماً ملكاً لإيران، ولن يصبح كذلك بمجرد فرض الأمر الواقع. فالقوة قد تعطل القانون مؤقتاً، لكنها لا تكتبه، والسلاح قد يغلق ممراً، لكنه لا يمنح شرعية لمن يحتجزه.
ولهذا، فإن القضية في جوهرها ليست قضية نفط، ولا حتى قضية مضيق.
إنها قضية احترام النظام الدولي نفسه.
فإذا أصبح المرور في المضائق الدولية خاضعاً لمن يدفع أكثر، فلن يبقى العالم أمام ممرات بحرية، بل أمام حواجز جباية مسلحة.
وعندها لن يكون الخطر على هرمز وحده… بل على فكرة حرية الملاحة التي قام عليها الاقتصاد العالمي لعقود.



