الصحة والمنوعات

برلين… حين تتحدّثُ الحجارة بسبع لغات

حسام حسين لبش

مقدّمة: مدينةٌ لا تشبهُ المدن

في كلِّ عاصمةٍ أوروبية تذهبُ إليها، يستقبلك جمالٌ متّفقٌ عليه: باريسُ بأناقتها، وروما بمَجدها، ولندنُ بوقارها. أمّا برلين، فلا تستقبلك… بل تختبرك. تمشي في شوارعها فلا تجدُ “وجهاً سياحيّاً” واحداً، بل وجوهاً متعدّدة تتجادل وتتعانق في الوقت ذاته. هنا قصرٌ بروسيٌّ من القرن الثامن عشر يجاور جداريّةً معاصرة، وهنا مسجدٌ عثمانيٌّ على بُعد خطوات من كاتدرائيّة قوطيّة، وهنا مقهى تركيٌّ يُلامس مطعماً حائزاً على نجمة ميشلان.

برلين ليست مدينةً تُزار، بل حالةٌ تُعاش. وفي السطور التالية، أصطحبك في رحلةٍ متأنّية تكشفُ لك المدينةَ بطبقاتها الأربع: ثقافتها، مطبخها، أحيائها، وطبيعتها.

الثقافة – حين يصير المتحف وطناً

جزيرة المتاحف: لؤلؤة على نهر شبريه

في قلب برلين، حيث ينقسم نهرُ شبريه إلى ذراعين، تطفو جزيرة المتاحف كأنّها سفينةٌ محمّلةٌ بكنوز البشرية. خمسةُ متاحف عظيمة على بقعةٍ صغيرة، أدرجتها اليونسكو على لائحة التراث العالمي منذ 1999.

للزائر العربي خصوصيّةٌ هنا: متحف بيرغامون يحتضنُ “متحف الفنّ الإسلامي” – أحد أعظم متاحف الفنّ الإسلامي في الغرب. بين جدرانه تتنفّس قبّة قصر الحمراء، وغرفة حلب الدمشقية بزخارفها الخشبية من القرن السابع عشر، وواجهة قصر المشتّى الأموي التي أُهديت للقيصر فيلهلم الثاني من السلطان عبد الحميد عام 1903.

الأوبرا والفلهارمونيك: حين تتحوّل الموسيقى إلى عمارة

لا تُغادر برلين دون أن تختبر صوتها. دار أوبرا برلين الحكومية من أعرق دور الأوبرا في العالم، أُسّست عام 1742 في عهد فريدريك الكبير، وتقفُ شامخةً في شارع أونتر دن ليندن منذ ذلك الحين.

أمّا قاعة الفلهارمونيك فتجربةٌ من نوعٍ آخر. صمّمها المعماري هانس شارون عام 1963 على هيئة “خيمةٍ موسيقيّة” يجلسُ فيها الجمهور حول الأوركسترا من كلّ الجهات – ثورةٌ معماريّة ما تزال تنتمي إلى مستقبلٍ لم يأتِ بعد. تستضيف القاعة أوركسترا برلين الفلهارمونية، واحدة من أعظم ثلاث أوركسترات في العالم.

معرض الحائط الشرقي: متحفٌ تحت السماء

على ضفّة نهر شبريه، يمتدّ معرض الحائط الشرقي: 1.3 كم من جدار برلين الأصلي، حوّلها 118 فنّاناً من 21 دولةً عام 1990 إلى أطول معرضٍ مفتوح في العالم. أشهر لوحاته “القبلة الأخوية” بين بريجنيف وهونيكر للفنّان الروسي دميتري فروبيل، وعنوانها الكامل: “إلهي، أعنّي على النجاة من هذا الحبّ المميت”.

 المطبخ – من بسطة الشارع إلى نجمة ميشلان

الكَري فورست: ملحمةٌ شعبية

في الرابع من سبتمبر 1949، في كشكٍ صغيرٍ بحيّ شارلوتنبورغ، خلطت سيّدةٌ ألمانية اسمها هرتا هويفير صلصةَ طماطم مع مسحوقِ كاري حصلت عليه من جنديٍّ بريطاني، وسكبتها على سجقٍ مقلي. وُلدت الكَري فورست – الأكلة الشعبية التي تبيع برلين منها 70 مليون قطعة سنوياً.

لتجربتها كأهل المدينة، توجّه إلى كشك كونوبكه تحت سكّة المترو في حيّ برينتسلاور بيرغ – باعت أوّل كَري فورست في برلين الشرقية عام 1960. أو إلى كاري 36 في حيّ كرويتسبرغ، حيث الطابور لا ينقطع منذ 1981.

المطاعم الحاصلة على نجوم ميشلان

تضمّ برلين أكثر من عشرين مطعماً حائزاً على نجمة ميشلان أو أكثر. مطعم روتس يتربّع على القمّة بثلاث نجوم، يقدّم مطبخاً ألمانياً معاصراً. ومطعم تيم راو في شارلوتنبورغ يقدّم مطبخاً آسيوياً بلمسةٍ ألمانية. ومطعم لورنتس أدلون إستسيمر يحتضنه فندق أدلون التاريخي مقابل بوّابة براندنبورغ. أمّا مطعم نوبلهارت أُند شموتسيغ فيعتمد فقط على مكوّناتٍ من إقليم برلين-براندنبورغ، احتفاءً بالطعام المحلّي.

برلين، عاصمة أوروبا النباتية

ما لا يعرفه كثيرون: برلين تُلقّب عالميّاً بعاصمة النباتيّين في أوروبا. المدينة تضمّ أكثر من 80 مطعماً نباتيّاً صرفاً، وحوالي 600 مطعم يقدّم خياراتٍ نباتية. حيّ برينتسلاور بيرغ بالذات يعجّ بالمقاهي النباتية العضويّة، وقد أصبح وجهةً لمن يبحثُ عن طعامٍ نظيفٍ وصحّي.

 المدن داخل المدينة – أحياءٌ كأنّها كواكب

شارلوتنبورغ: برلين كما كانت تحلم بنفسها

في الغرب، حيث تتعرّج شوارعُ الأشجار العتيقة، يستيقظُ حيّ شارلوتنبورغ كما تستيقظ سيّدةٌ أرستقراطية من قيلولةٍ طويلة. كان هذا الحيّ “برلين الحقيقيّة” طوال أربعين عاماً من الانقسام، فلمّا سقط الجدار وانتقل بريق المدينة شرقاً، بقي شارلوتنبورغ ينتظر بهدوء عودةَ الذوّاقة.

هنا تجد قصر شارلوتنبورغ، أكبر قصرٍ ملكيٍّ في برلين، بناه فريدريك الأوّل لزوجته صوفي شارلوت عام 1699. وتجد شارع كورفورستندام – شانزليزيه برلين – ثلاثة كيلومترات ونصف من الماركات العالمية والمقاهي الأنيقة. وفي شارع كانت، يمتدّ ممرٌّ آسيويٌّ هادئ يقدّم – بحسب النقّاد – أفضل المطابخ الكورية والتايوانية واليابانية في برلين. ولا يكتمل ذكر شارلوتنبورغ دون متجر كاديفي، أكبر متاجر أوروبا القارّية، رمز الازدهار الذي قاوم الحرب والانقسام.

كرويتسبرغ: حيث تنبضُ روحُ المدينة المتمرّدة

على الضفّة المقابلة من الذاكرة، يقفُ كرويتسبرغ – الحيّ البوهيمي الذي صار أيقونةً ثقافيّة. هنا غرافيتي على كلّ جدار، وموسيقى من كلّ نافذة، وأسواقٌ تركيّة كلّ ثلاثاء وجمعة على ضفّة قناة لاندفير. كان كرويتسبرغ مهجوراً قُبيل سقوط الجدار، فاستوطنه الفنّانون والمهاجرون الأتراك، فصار اليوم قلبَ برلين الإبداعي.

نويكلن: “الشارع العربي”

جنوبيّ كرويتسبرغ، يمتدّ شارع زونّن أليه الذي يُسمّيه السكّان بمحبّة “الشارع العربي”. هنا مخابز سورية تخبزُ التنّور كلّ صباح، ومحال حلويات لبنانية، وأكشاك فلافل وشاورما، ومقاهي تحجزُ أركاناً للنرجيلة كأنّك في زقاقٍ من دمشق أو بيروت. تستطيع أن تأكل لبنانياً، وتتسوّق سورياً، وتشرب قهوةً يمنيّةً في الشارع نفسه.

فيلمرسدورف: أقدمُ مسجدٍ في ألمانيا

في حيّ فيلمرسدورف الهادئ، يقفُ مسجد برلين – أقدمُ مسجدٍ في ألمانيا، بُني عام 1924 على الطراز المغولي الهندي، ويستلهمُ تصميمه من تاج محل. مئذنتاه ترتفعان 32 متراً، وقبّته مزخرفةٌ بزخارف هنديّة أصيلة. مزجَ المعماري بين الطين الهندي والطوب الألماني والخشب البافاري، فجاء المسجد رمزاً للتلاقي الحضاري.

أمّا مسجد شهيدليك في نويكلن فأكبر مساجد برلين وأجملها، بُني عام 2005 على الطراز العثماني الكلاسيكي بمئذنتين بطول 37 متراً، ويتّسع لـ1,500 مصلٍّ. تُنظَّم فيه جولات إرشاديّة باللغتين الإنجليزية والألمانية، ويُرحَّب بالزوّار من كلّ الديانات.

 الطبيعة – برلين الزرقاء والخضراء

قد يفاجئك أن ثلث مساحة برلين غاباتٌ وبحيرات ومتنزّهات. المدينة محاطةٌ بأكثر من 50 بحيرة، وداخلها وحدها ثماني غاباتٍ كبرى.

بحيرة فانزيه: شاطئ برلين

في الجنوب الغربي، تنبسطُ بحيرة فانزيه – أشهر بحيرات برلين وأكثرها زيارة. افتتح شاطئها الرملي عام 1907 ليكون “حمّاماً عائلياً”، ولا يزال كذلك حتى اليوم. يمكنك السباحة، أو ركوب القوارب الشراعية، أو أخذ العبّارة إلى جزيرة الطواويس المدرجة على لائحة اليونسكو، حيث يتجوّل الطواويس بحرّيةٍ بين أشجار البلّوط في صمتٍ يكادُ يكون مقدّساً.

بحيرة موجلسيه: أكبرُ بحيرات برلين

في الشرق، تمتدّ بحيرة موجلسيه على طول أربعة كيلومترات وعرض كيلومترين ونصف، أكبرُ بحيراتِ المدينة وأكثرُها هدوءاً. هنا تستطيع استئجار قاربٍ شراعيٍّ أو زورق كاياك، أو الجلوس في إحدى حدائق البيرة على ضفّتها مع غروبٍ يستحقّ الانتظار.

غابة غرونيفالد: رئة برلين

غرب المدينة، تمتدّ غابةُ غرونيفالد على ثلاثة آلاف هكتار من الصنوبر والبلّوط، تشقّها مسالكُ للمشي وركوب الدرّاجات وبحيراتٌ صغيرة كشلاختنزيه وكرومّه لانكه – وهما من أنظف بحيرات أوروبا. في قلب الغابة، يرتفعُ برج غرونيفالد الذي بُني عام 1899 إجلالاً للقيصر فيلهلم الأوّل، ومن قمّته منظرٌ بانوراميٌّ لا يُنسى.

حديقة تيرغارتن: مركزُ المدينة الأخضر

في القلب تماماً، تتمدّدُ حديقة تيرغارتن على 210 هكتارات – أكبر من حديقة هايد بارك في لندن. كانت أرضَ صيدٍ ملكيّة في القرن السابع عشر، وصارت متنفّسَ المدينة. عبرها يمرّ شارع “السابع عشر من يونيو” الذي يربط بوّابة براندنبورغ بعمود النصر الذهبي.

 السفر بضمير – برلين المستدامة

في زمنٍ صار فيه السفرُ مسؤوليّة، تبرزُ برلين كمدينةٍ تأخذ الاستدامة على محملِ الجدّ. ثلاثة أرباع فنادقها تحملُ شهاداتِ استدامةٍ معتمدة، وشبكة المواصلات العامّة فيها من أكفأ شبكات أوروبا وأنظفها.

كيف تكون سائحاً مسؤولاً؟

استأجر دراجة، فبرلين فيها أكثر من ألف كيلومتر من المسارات المخصّصة للدرّاجات، وهي عاصمة الدرّاجات في أوروبا الوسطى. استخدم النقل العام: شبكة المترو والترام والحافلات والقوارب جميعها بكفاءة ألمانيّة وذكاءٍ بيئي. اختر فندقاً يحملُ شهادة الاستدامة الأوروبية. واشترِ من الأسواق المحلّية مثل ماركتهالّه نويه ولاوزيتسر بلاتس وكوليفيتس بلاتس، حيث تُقدَّم منتجاتٌ من مزارع برلين وإقليم براندنبورغ المحيط.

من رحلة عمل إلى ذكرى لا تُنسى

تستضيف ألمانيا ثلثَي أهمّ المعارض التجاريّة في العالم، وبرلين وحدها تستضيف معرض السياحة الدولي ومعرض الإلكترونيات وأسبوع الموضة وعشرات المؤتمرات الدولية سنويّاً.

ولأنّ السفر للعمل لم يعد كافياً، صار سدسُ زوّار الأعمال يمدّون إقامتهم لأغراضٍ ترفيهية – ظاهرةٌ يُسمّيها قطاع السياحة العالمي “بليجر” (عمل وترفيه). لو كنتَ قادماً إلى برلين لاجتماعٍ أو مؤتمر، أضِف يومَين على رحلتك:

ليلة الجمعة بعد العمل، عشاءٌ في مطعمٍ بميشلان في شارلوتنبورغ، ثمّ حفلة في الفلهارمونيك.

السبت صباحاً، جزيرة المتاحف، فمشيٌ متأنٍّ في تيرغارتن، وعشاءٌ في زونّن أليه على وقع الموسيقى العربية.

الأحد، نزهةٌ كاملة على بحيرة فانزيه، وعودة بالقطار الخفيف مع غروبٍ يلوّن نهر شبريه ذهباً.

ثلاثة أيّامٍ كفيلةٌ بأن تُحوّل سفرة العمل إلى ذكرى تستحقّ أن تُروى.

دليلٌ عمليٌّ للزائر العربي

  • التأشيرة: زوّار دول الخليج العربي بحاجةٍ إلى تأشيرة شنغن. الرسم 90 يورو للبالغين، ومدّة المعالجة تصل إلى خمسة عشر يوم عمل، ويمكن التقديم قبل ستّة أشهر من السفر.
  • أفضل وقتٍ للزيارة: من مايو إلى سبتمبر طقسٌ معتدل بين 18 و25 درجة، الأنسب للعائلات وللبحيرات. ديسمبر لعشّاق أسواق الكريسماس التراثية. تجنّب نوفمبر وفبراير لقصر النهار وكثرة المطر.
  • التنقّل: احصل على بطاقة برلين الترحيبية – تشمل المواصلات الكاملة وخصومات تصل إلى نصف ثمن التذكرة على 180 معلَماً ومتحفاً.
  • الإقامة بحسب الذوق:

ميتّه: قلب المدينة، قرب جزيرة المتاحف – للزائر الأوّل

شارلوتنبورغ: راقٍ وكلاسيكي، قرب كوردام – للذوّاقة

نويكلن: شبابيّ ومتعدّد الثقافات، قرب المجتمع العربي – للمسافرين العائليّين

برينتسلاور بيرغ: مقاهٍ وبوهيميا هادئة – للكتّاب والفنّانين

نصائح أخيرة: اللغة الإنجليزية مفهومةٌ على نطاقٍ واسع، لكنّ جملة “غوتن تاغ” (مرحباً) تفتح القلوب. البقشيش من خمسة إلى عشرة في المئة في المطاعم. المتاجر تغلق يوم الأحد، فخطّط تسوّقك مسبقاً. ماء الصنبور نظيفٌ وآمنٌ للشرب. والبطاقة الائتمانية ليست مقبولة في كلّ مكان، فاحتفظ بنقدٍ يورو دائماً.

مدينةٌ لا تُغادرك

برلين ليست باريس بترفها، ولا روما بمَجدها، ولا لندنَ بوقارها. هي شيءٌ آخرُ تماماً: مدينةٌ صادقة. تعرضُ ندوبها كما تعرضُ جمالها، وتقول لك منذ اللحظة الأولى: أنا لستُ مثاليّة، لكنّي حقيقيّة.

تمشي في أزقّتها فتلتقي بفنّانٍ يرسمُ على بقايا الجدار، وبشيخٍ سوريّ يقدّم لك القهوة في زونّن أليه، وبأمٍّ ألمانية تركض خلف طفلها في تيرغارتن، وبموسيقيٍّ روسيٍّ يعزفُ التشيلو عند محطّة ألكسندربلاتس. كلّ هؤلاء يصنعون برلين اليوم.

في زمنٍ صارت فيه المدنُ متشابهة، تظلّ برلين استثناءً جميلاً: تحتفي بالاختلاف، وتفتح ذراعَيها للقادمين من كلّ الجهات، ولا تطلبُ منك أن تكونَ شخصاً آخر لكي تنتمي إليها.

اذهب إليها … لا لتراها فحسب، بل لتُصغي إليها. فالمدن كالقصائد لا تُكشف إلّا لمن يُحسن الإصغاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
دعم الصحافة المستقلة
نعتمد على الإعلانات لتقديم محتوى مجاني وعالي الجودة ومواكبة الأخبار لحظة بلحظة.

يرجى تعطيل مانع الإعلانات للاستمتاع بتجربة تصفح كاملة ودعم استمرار الإمارات نيوز.
⚡ تجربة أسرع
📰 محتوى مجاني
❤️ دعم الصحافة
شكراً لدعمك للإمارات نيوز ❤️
الأخبار المجانية تبدأ بدعمك.