حسام حسين لبش
تُعدّ برلين، عاصمة جمهورية ألمانيا الاتحادية، واحدة من أكثر العواصم الأوروبية إثارةً للاهتمام وغنىً بالتجارب. فهي مدينة تجمع بين عبق التاريخ القديم وروح الحداثة المعاصرة، وتختزن في شوارعها وأزقّتها قصصاً عن صعود الإمبراطوريات وسقوطها، وعن جدارٍ قسم المدينة لعقودٍ ثم تحوّل إلى لوحةٍ فنية مفتوحة. تستقبل برلين سنوياً ملايين الزوار من جميع أنحاء العالم، يأتون للاستمتاع بتراثها المعماري الفريد، ومتاحفها العالمية، وأجوائها الثقافية المتنوعة، ومطبخها الذي يجمع نكهات الشرق والغرب. في هذه المقالة، نأخذكم في جولةٍ بين أهم المعالم التي لا ينبغي أن تفوّتكم عند زيارة هذه المدينة الساحرة.
١. بوابة براندنبورغ.. رمز الوحدة الألمانية

تُعدّ بوابة براندنبورغ (Brandenburger Tor) المعلم الأشهر في برلين، وأحد أهم رموز ألمانيا الحديثة. بُنيت البوابة بين عامي 1788 و1791 بأمرٍ من الملك فريدريش فيلهلم الثاني، وصمّمها المعماري كارل غوتهارد لانغهانس مستلهماً تصميمه من بوّابة “بروبيليا” في أكروبوليس أثينا. تعلو البوابة عربة “كوادريغا” الشهيرة التي تجرّها أربعة جياد، وقد وضعها النحات يوهان غوتفريد شادو عام 1793.
شهدت البوابة على مرّ القرون أحداثاً تاريخية مفصلية؛ فقد مرّت من تحتها جيوش نابليون، ووقفت شاهدةً على انقسام ألمانيا خلال الحرب الباردة حين باتت في المنطقة المحرّمة بعد بناء جدار برلين عام 1961، ثم تحوّلت إلى رمزٍ لإعادة توحيد الألمانيتين بعد سقوط الجدار عام 1989. واليوم تستقطب البوابة آلاف الزوار يومياً في ميدان باريس (Pariser Platz)، وتُعدّ نقطة الانطلاق المثالية لاستكشاف وسط المدينة.
٢. مبنى الرايخستاغ.. حيث يُكتب التاريخ السياسي

على بُعد خطواتٍ من بوابة براندنبورغ، يقف مبنى الرايخستاغ (Reichstagsgebäude) شامخاً بقبّته الزجاجية الشهيرة. شُيّد المبنى بين عامي 1884 و1894 وفق تصميم المعماري باول فالوت، ليكون مقرّاً لبرلمان الإمبراطورية الألمانية. شهد المبنى أحداثاً عاصفة، أبرزها حريق الرايخستاغ الشهير عام 1933 الذي استغلّه النازيون لتعزيز سلطتهم، ثم تعرّض لدمارٍ هائلٍ خلال الحرب العالمية الثانية.
بعد إعادة توحيد ألمانيا، أعيد ترميم المبنى وفق تصميم المعماري البريطاني الشهير نورمان فوستر، الذي أضاف القبة الزجاجية البديعة التي باتت رمزاً للشفافية الديمقراطية. ومنذ عام 1999، يُعدّ المبنى مقرّاً للبرلمان الألماني (البوندستاغ).
يستطيع الزوّار صعود القبة مجاناً للاستمتاع بإطلالةٍ بانورامية ساحرة على المدينة، مع ضرورة الحجز المسبق عبر الإنترنت.
٣. جدار برلين ومعرض الجانب الشرقي

لا يمكن لزيارة برلين أن تكتمل دون التوقّف عند ما تبقّى من جدار برلين، ذلك الرمز الأبرز للحرب الباردة وانقسام أوروبا. شُيّد الجدار عام 1961 ليفصل بين شطري المدينة الشرقي والغربي، وظلّ قائماً لثمانية وعشرين عاماً قبل أن يسقط في التاسع من نوفمبر 1989 في مشهدٍ غيّر مجرى التاريخ الحديث.
أبرز ما تبقّى من الجدار اليوم هو “معرض الجانب الشرقي” (East Side Gallery)، وهو شريطٌ بطول 1.3 كيلومتر تحوّل بعد سقوط الجدار إلى أكبر معرضٍ فنيّ مفتوح في العالم. رسم عليه أكثر من مئة فنّان من جنسياتٍ متعدّدة لوحاتٍ تعبّر عن الحرية والأمل، ومن أشهرها لوحة “يا إلهي ساعدني للنجاة من هذا الحبّ المميت” التي تصوّر قبلة الزعيمين بريجنيف وهونيكر، ولوحة “اختبر البقية” التي تُظهر سيارة ترابانت تخترق الجدار.
٤. جزيرة المتاحف.. كنوز الحضارات الإنسانية

في قلب نهر شبريه، تقع “جزيرة المتاحف” (Museumsinsel)، المجمع الثقافي الفريد الذي أدرجته منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي. تضمّ الجزيرة خمسة متاحف عالمية المستوى: متحف بيرغامون الذي يحتفظ ببوّابة عشتار البابلية ومذبح زيوس، والمتحف الجديد الذي يضمّ تمثال الملكة المصرية نفرتيتي الشهير، والمعرض الوطني القديم الذي يعرض روائع الفنون الأوروبية في القرن التاسع عشر، ومتحف بودِه المخصّص للمنحوتات الأوروبية، والمتحف القديم الذي يحوي تحفاً من اليونان وروما.
يحتاج الزائر إلى يومٍ كامل على الأقل لاستكشاف هذه المتاحف، التي تُعدّ من أهم الوجهات الثقافية في أوروبا. ويُنصح بشراء “تذكرة جزيرة المتاحف” الموحّدة التي تتيح الدخول إلى المتاحف الخمسة بسعرٍ مخفّض.
٥. برج التلفزيون.. أعلى نقاط برلين

يرتفع برج التلفزيون (Fernsehturm) في ميدان ألكسندر بشكلٍ مهيب ليصل إلى 368 متراً، مما يجعله أعلى مبنى في ألمانيا. شُيّد البرج بين عامي 1965 و1969 في زمن ألمانيا الشرقية، وكان مقصوداً به إظهار قوة النظام الاشتراكي وقدرته التقنية. ويضمّ البرج منصّة مراقبة على ارتفاع 203 أمتار، تتيح للزوار إطلالةً بانورامية مذهلة على المدينة بأكملها في يومٍ صافٍ يصل مداها إلى 42 كيلومتراً.
وفوق منصّة المراقبة، يقع مطعمٌ دوّار يكمل دورةً كاملة كل نصف ساعة، مما يتيح للزائر تناول وجبته مع تغيّر مستمرٍ في المشهد. ومن الطرائف أن صليب الضوء الذي يظهر على القبة الكروية للبرج حين تسطع الشمس عليها كان يُعرف ساخراً في ألمانيا الشرقية باسم “انتقام البابا”.
٦. كاتدرائية برلين.. تحفة العمارة الباروكية

تُعتبر كاتدرائية برلين (Berliner Dom) من أبرز المباني الدينية في المدينة وأكثرها فخامة. شُيّدت بين عامي 1894 و1905 في عهد الإمبراطور فيلهلم الثاني، الذي أراد لها أن تنافس كاتدرائية القديس بطرس في روما. تتميّز الكاتدرائية بطراز نيوباروكي بديع، وبقبّتها الضخمة التي يبلغ ارتفاعها 98 متراً.
يضمّ القبو الملكي للكاتدرائية رفات نحو مئة شخصية من العائلة المالكة البروسية، من بينهم الملوك والأباطرة من سلالة هوهنتسوليرن. ويستطيع الزوار صعود الدرج اللولبي المؤلّف من 270 درجة للوصول إلى شرفة القبة والاستمتاع بإطلالةٍ ساحرة على جزيرة المتاحف وقلب المدينة. كما تستضيف الكاتدرائية حفلات الموسيقى الكلاسيكية ذات الصوتيات الاستثنائية بفضل أرغنها التاريخي الذي يضمّ أكثر من سبعة آلاف ماسورة.
٧. قصر شارلوتنبورغ.. لمسة من البذخ البروسي

في غرب المدينة، يقع قصر شارلوتنبورغ (Schloss Charlottenburg)، أكبر قصر ملكي في برلين وأحد أبرز معالمها التاريخية. بُني القصر في نهاية القرن السابع عشر ليكون مقرّاً صيفياً للملكة صوفيا شارلوت، زوجة فريدريش الأول أول ملوك بروسيا. توسّع القصر تدريجياً على مدى قرنين ليصبح المسكن الرسمي للعائلة المالكة البروسية.
يضمّ القصر قاعاتٍ فخمة على الطراز الباروكي والروكوكو، من بينها قاعة الخزف الصيني الشهيرة التي تحتوي على آلاف القطع الفنية، وقاعة المرايا الذهبية، ومجموعةً نادرة من اللوحات الأوروبية. ويحيط بالقصر حديقةٌ شاسعة على الطراز الفرنسي ثم الإنجليزي، تُعدّ مكاناً مثالياً للتنزّه والاسترخاء بعيداً عن صخب وسط المدينة.
٨. حديقة تيرغارتن وعمود النصر

تُعدّ حديقة تيرغارتن (Tiergarten) رئة برلين الخضراء، إذ تمتدّ على مساحة 210 هكتارات في قلب المدينة. كانت في الأصل محميةً للصيد الملكي قبل أن تُحوَّل في القرن الثامن عشر إلى حديقة عامة. تتخلّلها بحيرات صغيرة وممرّاتٌ ظليلة، وتُعدّ ملاذاً مفضّلاً لسكان المدينة لممارسة الرياضة والاستجمام.
في قلب الحديقة، يقف “عمود النصر” (Siegessäule) شامخاً بارتفاع 67 متراً، ويعلوه تمثالٌ ذهبي للإلهة فيكتوريا يبلغ وزنه 35 طناً. شُيّد العمود عام 1873 لإحياء ذكرى الانتصارات العسكرية البروسية. ويستطيع الزائر صعود 285 درجة للوصول إلى منصّة المراقبة والاستمتاع بإطلالةٍ على الحديقة والمدينة من زاوية فريدة.
نصائح عملية للزائر
أفضل أوقات زيارة برلين هي فصلا الربيع (من مايو إلى يونيو) والخريف (من سبتمبر إلى أكتوبر)، حيث يكون الطقس معتدلاً والمعالم أقل ازدحاماً. تتمتّع المدينة بشبكة مواصلات عامة ممتازة تشمل المترو (U-Bahn) والقطار الخفيف (S-Bahn) والترام والحافلات، ويُنصح بشراء بطاقة “Berlin WelcomeCard” التي تتيح التنقّل غير المحدود وخصومات على المتاحف.
كما يُستحسن تخصيص أربعة إلى خمسة أيام على الأقل لاستكشاف المدينة بشكلٍ مريح، مع تجربة المطبخ المحلي الشهير كنقانق “كوريوورست” والكباب التركي الذي تُعدّ برلين موطنه الثاني. وفوق كل ذلك، تذكّر أن برلين ليست مجرّد متاحف ومعالم، بل هي روحُ مدينةٍ تجمع بين الجدّ والمرح، والماضي والمستقبل، في مزيجٍ نادر يجعل كل زيارةٍ إليها تجربةً لا تُنسى.



