نور محمد باجنيد تكتب: حرير وسعير ‏

مُحتشِمة : صِفة او كلمة مشتقة من مصطلح (الحشمة) كُلَما ذُكرت لم يخطر في مُخَيلاتِنا الا تلك المرأة المغلفة كالهدية ‏الجميلة، تستر جميع أعضائها  بالعباءة، وشعرها بالحجاب، ووجهها بالنقاب، ولا يظهر منها إلا عيناها، فلنكن ‏صريحين لم يخطر في بالكم الا جميع الذي ذكرته ولكن هناك فئة محدودة لن اظلمها؛ تعلم جيداً بأن الحشمة لا تتركز ‏على اللباس والمظهر الخارجي بل تبدأ من الداخل أولاً.

فالحشمة ليست فقط تغليف الجسد بقطع من القماش، الحشمة ‏معنى اكبر من ذلك بكثير، يجهله البعض، فالحشمة في المعجم العربي تعني المحافظة بالقول والفعل اي بتجنب اقتراف ‏المرذول من العمل ولا النطق الفاحش البذيء من القول كالقذف والشتم والنميمة والغيبة والخ...

ولكن للأسف مجتمعنا ‏مليئ بالمغالطات الفكرية والربط الخاطىء بين طلبات المجتمع والإرشادات الدينية فيحرص البعض على اجبار نسائهن ‏بالإحتشام الخارجي "باللباس فقط" خوفاً من (كلام الناس) "ايش يقولوا الناس علينا بنات فلان لبسهم كذا" أو حفاظاً على ‏السمعة (بين الناس) أو قد تكون أحياناً من باب الغيرة الشديدة على المرأة (من الناس)  التي تصبح غير منطقية ومقرفة ‏عندما تتجاوز الحد المطلوب ، نعم كل شيء لهؤلاء (الناس)! ،لا طاعةً لله ولا احتراماً للدين والعياذ بالله، بعيداً عن كل ‏هذا الأسلوب السردي.

سأروي لكم قصة جميلة استوحيتها من الواقع ولكن وضعت القليل جداً من بهاراتي الخاصة ‏لتصبح اكثر لِذة...، اغمِضوا أعينكم وتخيلوا معي..

كان يا مكان في حديث الزمان كانت هناك امرأة تدعى حرير واُخرى ‏تدعى سعير، سأبدأ لكم بحرير امرأة محتشمة "شكلياً" تخفي جسدها بالعباءة والخمار ووجهها بالنقاب؛ ترعرعت بين ‏أحضان عائلة محافظة ماشاءالله "شكلياً" ولكن للأسف لم تكتمل تلك المحافظة والحشمة في القول والفعل، فكل فرد من ‏العائلة يتنافس بحماس لأجل الفوز بجائزة (صاحب اقذر لسان و أقبح الفاظ) وايضاً جائزة (أكثر شخص يثير الفتنة) وكما ‏نقول عامةً (اللقلقة) أو (البلبلة) أو (اللغوصة)، ولكن فلنكن موضوعيين ولا ننسى السمات الطيبة والإيجابية في تلك ‏الأسرة، فرغم كل تلك المساوئ إلا أن كل فرد منهم يملك قلباً ابيض مليئ بالعطف والرحمة ولاسيما (حرير).

في يوم من ‏الأيام كانت حرير تتجول في السوق بكامل حشمتها "الخارجية" فرآها رجل محترم يدعى مهند، نالت إعجابه حشمة ‏حرير وتزوجها على سنة الله ورسوله إلى أن مرت الأيام  وتفاجىء مهند بمعدن حرير المختلف تماماً عن مظهرها ‏الخارجي ولم يتحمل الاستمرار في هذا الزواج رغم أنه من أكثر الناس صبراً ولكن انقلبت حياته إلى جحيم.

أما المرأة ‏الأخرى (سعير)  تظهر بكامل شعرها وهيئتها التي جعلتها تصنف غير محتشمة (خارجياً) ولكنها تمتلك حشمة داخلية ‏عظيمة تجعلها تتجنب القول والفعل السيّء وتتسابق في فعل الخير ومساعدة الآخرين وحسن التعامل والرحمة ‏والتسامح، ولكن للأسف الشديد كانت سعير تُقذف كثيراً ويُساء الظن فيها فمرة من المرات كانت (سعير) تتجول في ‏شاطىء البحر ترتدي الـ(‏cropped top‏) وال (‏yoga pants‏) بينما كان رجل متواجداً في المكان نفسه يمارس ‏الهرولة السريعة حول الشاطىء يُدعى خالد فعندما اقترب من المرور بقرب (سعير) استاء من مظهرها وقام بشتمها ‏واحتقرها بنظراته المشمئزة حتى شعرت بالحزن (سعير) وطُعنت مشاعرها بسبب تصرف خالد السوقي وإهانته لها‏.

أكمل خالد طريقه في الهرولة متجهاً إلى البحر للسباحة واستمر في السباحة لوقت طويل حتى هاجمه الشد العضلي ‏مهدداً حياته إلى الموت نتيجة نشاطه الحركي المتواصل مما أدى الى إجهاد العضلة، تشنج خالد في مكانه ولم يستطع ‏بذل أي مجهود غير طلب النجدة بأعلى صوت، لم ينتبه اليه احد بينما التفتت (سعير) لتتحقق ما في الأمر حتى تفاجأت ‏بغرق خالد وسارعت وقتها باحضار فريق النجاة والإسعافات الأولية، وبفضل من الله تمت عملية إنقاذ خالد بنجاح بجهد ‏من فريق النجاة وبالطبع (سعير) فرغم إساءة خالد لها لم تقابله بالسيئة وهذا هو ما يحث عليه ديننا الحنيف (مقابلة السيئة ‏بالحسنة).

بعد ان استعاد خالد كامل وعيه استيقظ و شَكَر فريق النجاة والاسعافات الأولية وبادره احد أعضاء الفريق ‏قائلاً: لا تشكرنا بل اشكر (سعير) فلولاها بعد الله لم استطعنا ان ننقذك، رُبِط لسان خالد ولم يستطع ان ينطق بأي كلمة من ‏شدة الخجل متأسفاً لِما اقترفه لسانه القذر، اُعجب خالد في إنسانية سعير وقلبها النقي فأقبل عليها طالباً يدها الى الزواج ‏وعاشا حياةً مليئة بالاسقرار والسعادة، اما الضحية(مهند) فلندعو له جميعاً بأن تُطفأ نار الجحيم التي يعيش فيها، فهو الى ‏الان يسأل الرحمة ، للأسف تجذبنا المظاهر و نجهل المعادن الا بعد ان نكتشفها ولكن دائماً (ما يصح الا الصحيح) ولا ‏قياس للإنسان افضل من عمله، فكلنا خطائون ولكن نسعى الى الكمال ومرضاة الله عز وجل وأخيراً هنيئاً لمن اجتهد ‏وجمع بين مظهر حرير ومعدن سعير.‏